حسن الأمين

52

مستدركات أعيان الشيعة

وهنا تجدر الإشارة إلى شيء مهم غفل المؤرخون عن ذكره وهو كون الخانقاه الصوفي آنذاك من أهم الوسائل الاعلامية والدعائية ووسائل جمع الأخبار وتوزيعها . ويرجع وجود الخانقاه الصوفي في خراسان إلى عهد السلطان ميرزا شاه رخ وميرزا ألغ بيك [ الپورپاني ] الگوركاني حين باشر شاه قاسم أنوار تثبيت دعائمه وأسسه . وكان شاه قاسم قد تخطى مراحل السير والسلوك والتعاليم الصوفية على يد الشيخ صدر الدين موسى بن الشيخ صفي الدين . وقد سافر إلى هرات حينما كان سائحا وكان عليها الميرزا شاه رخ ابن الأمير تيمور وهو في علاقات غير ودية مع أمراء الآق قويونلو والقره قويونلو ومن جانب آخر كان يعتقد أن الصفوية تؤيد هؤلاء الأمراء ، فلم يرحب بقدوم شاه قاسم ، فغادر الأخير هرات إلى سمرقند فاستقبله الميرزا ألغ بيك [ الخورپاني ] الگوركاني بالترحيب والاحترام وأعد له أسباب الراحة في عاصمته وبدأت طريقة شاه قاسم العرفانية تنتشر في هذه المنطقة منذ ذلك الحين ، وكانت طريقته في الحقيقة هي عين الطريقة الصفوية . وحينما ظهر الشاه إسماعيل ، أخذ أهل السير والسلوك والدراويش في خانقاهات خراسان يحيطونه علما بجميع أحوال وأوضاع مناطقهم ، ومن ذلك إبلاغهم إياه في أواخر عام 915 بتحرك جيش جرار بقيادة أبناء محمد خان وبعض أقاربه من ( مرو ) إلى [ ترپستان ] تركستان الشرقية لاحتلال مناطق جديدة في حدود كاشغر وحدود التبت والصين . وكان الشاه إسماعيل يتحين الفرصة المناسبة لانتزاع خراسان من مخالب الطورانيين وضمها إلى إيران ومن ثم رأى في هذه التطورات فرصة مؤاتية لتنفيذ ذلك واستصوب رأيه قادة الجيش ورجال إيران . وكانت ثمة مجموعة من الرواد تتقدم جيش القزلباش وهي تحمل رايات خضراء وترتدي ملابس رسمية فاخرة ، وتواصل إنشاد الأشعار المؤثرة في مدح سيد النجف وآل بيت الرسول ، فكان أهالي المدن والقرى يهرعون لمشاهدة هذا الموكب والإصغاء إلى أشعاره وأناشيده المهيجة وغالبا ما كان الناس يجهشون بالبكاء لشدة تاثرهم . وهكذا توجهت قوات القزلباش من السلطانية إلى الري ومنها إلى سمنان ثم إلى حدود دامغان ، وكان عليها صهر محمد خان الشيباني ويدعى أحمد سلطان . وما كاد أحمد سلطان يطلع على قدوم قوات القزلباش نحو ولايته ، حتى ترك أمواله وأملاكه ولاذ بالهرب ، وكذلك فعل حاكم أسترآباد الخواجة أحمد قنقرات حيث ترك ولايته وهرب إلى ولاية درون ومنها إلى خوارزم . وعند ما شاهد شيوخ وشخصيات جرجان الحاكم الأوزبكي وهو يلوذ بالفرار اجتمعوا فيما بينهم وانتخبوا منهم شخصين هما السيد رفيع وبابا نوذر وعددا آخر من الشخصيات للوفادة على الشاه إسماعيل ، فأكرمهم وأحسن إليهم ثم أجازهم في العودة إلى ديارهم . وفي غضون ذلك كان هناك أحد أعيان الدولة التيمورية يعيش في منطقة ( كبود جامه ) ، فلما سمع بقدوم رايات الشاه إسماعيل أسرع لاستقباله فالتقاه في منطقة جاجرم ورأى الشاه في اسمه فالا حسنا حيث كان اسمه سيف الدين مظفر ، وكان رجلا فاضلا ذا خصال حميدة فشمله الشاه بعنايته وعطفه وخلع عليه خلعا فاخرة وزينه بزينة رسمية وعينه في منصب وزير الخاصة في البلاط . ووزارة الخاصة هذه تعني إدارة الأموال الخاصة بالملك حيث أقدم الشاه إسماعيل على فصل أمواله عن أموال الدولة وأسمى الأخيرة ببيت المال بعد أن كان الملوك لا يرون فرقا بين أموال الدولة وأموالهم . وزاد اهتمام الشاه إسماعيل بالخواجة مظفر يوما بعد آخر فمثلا عندما وصلوا أسفراين بعد مغادرتهم جاجرم قرر أن يضيف إلى ختمه على فرامينه الملكية ختم سيف الدين مظفر ، ولم يكن هذا الامتياز قد أعطي لأي وزير كان عدا الوزير الأعظم . وغادر حكام ولايات سبزوار ونيسابور ولايتهم قبل أن تدخلها قوات القزلباش وتوجهوا إلى هرات ، وحين بلغ الموكب الملكي مدينة نيسابور بعث برسالة إلى محمد خان الشيباني مفادها أنك كنت تتبجح باستمرار وتطلب منا اللقاء ، فها أنا ذا أحتل مدنك الواحدة تلو الأخرى دون أن ألمس وجودا لقوات الأوزبك . وإذا أعدت ملك خراسان لأهله وهم أقوام القزلباش ورحلت إلى ما وراء آمو فقد عملت وفقا للعقل والتدبير ، وإلا فحري بك أن تحدد موقعا للقتال . وكان حمل هذه الرسالة إلى ملك الأوزبك أمرا لا يخلو من مغامرة ، فتبرع أحد أبطال القزلباش بإيصالها ويدعى حسين بيك يساول . وبلغ حسين بيك والوفد المرافق له مشارف هرات ، وسمع سكان المدينة بقدوم رسل الشاه إسماعيل فهبوا لمشاهدتهم في الشارع الرئيسي للمدينة وتوجه لاستقبالهم عدد من رجال ملك الأوزبك . ورأى حسين بيك نفسه بين حشد كبير من الناس فاستغل الفرصة وصاح بصوت عال قائلا : « أخبروني أين ابن يزيد فاني أحمل إليه رسالة من ابن الإمام الحسين » . وحسين بيك هذا رجل طويل القامة عظيم الجثة أحمر العينين ذو شارب طويل يلامس أذنيه . فلما دخل بلاط ملك الأوزبك وجلس على الكرسي المعد له ، تزحزح قليلا فانكسر الكرسي من تحته ،